الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

182

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عليهم دوام حالهم يقتضي أنهم مفارقون هذه الحياة وصائرون إلى اللّه . وفيه حثّ على العمل لاستبقاء تلك النعم بأن يشكروا اللّه عليها كما قال صاحب « الحكم » « من لم يشكر النعم فقد تعرّض لزوالها ومن شكرها فقد قيّدها بعقالها » . و هاهُنا إشارة إلى بلادهم ، أي في جميع ما تشاهدونه ، وهذا إيجاز بديع . و آمِنِينَ حال مبينة لبعض ما أجمله قوله : فِي ما هاهُنا . وذلك تنبيه على نعمة عظيمة لا يدل عليها اسم الإشارة لأنها لا يشار إليها وهي نعمة الأمن التي هي من أعظم النعم ولا يتذوّق طعم النعم الأخرى إلا بها . وقوله : فِي جَنَّاتٍ ينبغي أن يعلّق ب آمِنِينَ ليكون مجموع ذلك تفصيلا لإجمال اسم الإشارة ، أي اجتمع لهم الأمن ورفاهية العيش . والجنات : الحوائط التي تشجر بالنخيل والأعناب . والطّلع : وعاء يطلع من النخل فيه ثمر النخلة في أول أطواره يخرج كنصل السيف في باطنه شماريخ القنو ، ويسمى هذا الطلع الكمّ ( بكسر الكاف ) وبعد خروجه بأيام ينفلق ذلك الوعاء عن الشماريخ وهي الأغصان التي فيها الثمر كحب صغير ، ثم يغلظ ويصير بسرا ثم تمرا . والهضيم : بمعنى المهضوم ، وأصل الهضم شدخ الشيء حتى يلين ، واستعير هنا للدقيق الضامر ، كما يقال : امرأة هضيم الكشح . وتلك علامة على أنه يخرج تمرا جيّدا . والنخل الذي يثمر تمرا جيدا يقال له : النخل الإناث وضده فحاحيل ، وهي جمع فحّال ( بضم الفاء وتشديد الحاء المهملة ) أي ذكر ، وطلعه غليظ وتمره كذلك . وخصّ النخل بالذكر مع أنه مما تشمله الجنات لقصد بيان جودته بأن طلعه هضيم . و تَنْحِتُونَ عطف على آمِنِينَ ، أي وناحتين ، عبر عنه بصيغة المضارع لاستحضار الحالة في نحتهم بيوتا من الجبال . وتقدم ذلك في سورة الأعراف . وفرهين صيغة مبالغة في قراءة الجمهور بدون ألف بعد الفاء ، مشتق من الفراهة وهي الحذق والكياسة ، أي عارفين حذقين بنحت البيوت من الجبال بحيث تصير بالنحت كأنها مبنية . وقرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وخلف فارِهِينَ بصيغة اسم الفاعل .